سأروضك على البحر.
ضربها ضوء الشمس في وجهها حالما خرجت من سيارة التاكسي، فخفضت نظّاراتها متواريةً وراءها، كما لو أنّها تستطيع أن تُخفي كلّ الحزن والقلق. كل تلك المخاوف التي أثقلت نظامها في الآونة الأخيرة، مرت أمام ذهنها بسرعة البرق. لقد ثقل عليها كل شيء مؤخرًا، وكان على عاتقها أكثر مما تُطيق. تنفّست بعمق، مدّدت كتفيها وتقدّمت بين اليخوت المتمايلة.
أرادت أن تحل عقدة الوشاح الرقيق، وتخلع البيريه، وتفتح بعض أزرار البلوزة الخفيفة، وتخلع الحذاء لتُمسك بأصابع قدميها بالأرض الدافئة للمرفأ، لكنّها اكتفت بالمشي، وضجيج كعبَيها اختفى تحت صخب نداءات النوارس.
كان البحر يضرب عند الرصيف، وكأنّ الطبيعة بأسرها تُذكّرها أنّ كل شيء حولها حي... لكنها تساءلت: هل هي على قيد الحياة؟ توقفت باهار. هل أنا حيّة؟ أغمضت عينيها ورفعت رأسها إلى السماء، تنظر إلى الغيوم الغريبة التي رماها الخالق بتؤدة. تجمد العالم من لحظة سكون، وقفت تتأمل في سِعة السماء الزرقاء، فتوقّفت الأصوات كلها، فلم تسمع سوى نبض قلبها يرن في صدغها، مرتعشًا بذبذباته في جسدها. نعم، كانت حيّة.
ارتعشت شفتاها، ويدها انزلقت إلى عقدة الوشاح، فكّت بسرعة، فحملها النسيم، وابتعد الوشاح عن كتفيها. خلعت البيريه بحركة معتادة، ونسدل شعرها بغتة. لامست خصلاته الحرة نسيم البحر، وألقاها برغبة على وجهها. ارتسمت على شفتيها ابتسامة أعرض، وفي اللحظة التالية انحنت، فرفعت عيناها تغمض لتستقبل حرارة الشمس على بلاط المرفأ الخشن.
أرادت ففعلت — ابتسمت عريضة، وعقدتها أنّ لا شيء ولا أحد سيحكم سلوكها من الآن فصاعدًا. فكّرت في نفسها، في رغباتها، في ما تريد هي فقط لا ما يُفرض عليها.
بيدٍ حاملة الحذاء، وبالأخرى البيريه، تقدّمت واقفة بالقرب من اليخت المألوف. كانت زارتَه مرتين من قبل، ودائمًا كان هو يساعدها على الصعود. اليوم لم يكن في الاستقبال، لكن لم تكن بحاجة إليه. ابتسمت باهار.
– عمّة باهار، – سمعتها من خلفها بصوتٍ رقيق: جم.
– جم، – استدارت باهار بابتسامة نحو الشاب.
– ماما، – تمسكت أُمَيّ بجواره، وترتسم في صوتها نغمات القلق، – هل أنت متأكدة؟
– نعم يا عزيزتي، – همست بصوتٍ خافت. – لا تقلقي، سنتمكّن.
– إليكم كل ما طلبتما، – سلّم جم إليها حقيبة.
– شكرًا يا حبيبي، – ابتسمت باهارً، ناظرة للخلف.
– ماما، – شرعت أُمَيّ بالكلام، فتقدّمتْ باهار بخطوة سريعة واحتضنتها:
– لا بأس، يا عزيزتي، لا بأس. أنتما الآن كبيرتان، وستكونان مع الجَدّة، – همست وهي تُمسّد ظهر ابنتها. – أُرز وسيران في المنزل، – اعتدلت، رتّبت شعر ابنتها، ثم استدارت نحو جم: – جم، ساعدني، – بهدوء فقط.
– ألن يُمانع إيفرين؟ – سأل بصوتٍ هادئ، مالت جبينه بقلق. – لقد كان مختلفًا مؤخرًا. متوتّرًا.
– البحر سيُريح أعصابه، – تمتمت باهار وهي تُقبّل شفتيها بخفوت وتخطو على سطح اليخت المائل.
تمعّنت ترددًا للحظة، تتساءل إن كانت تفعل الصواب، لكنّ الكرة انقادت له، فقد وجدت نفسها على اليخت قبل أن تُدرك ما أَقدمت عليه، بينما كان جم يفك العقدة.
ابتلعت ريقها بتوتر، في المرة السابقة كان معه إيفرين، ولم تُدرك ما كان عليها فعله بعدها.
– الحقائب، – وضع جم الحقيبة على سطح اليخت ثم قفز إلى الرصيف.
– ماما، – ارتبكت أُمَيّ عند رؤية باهار تضغط يدها على صدرها، ونظرت إلى الحذاء وهو يسقط بقوّة على السطح.
«لن أشعر بدوار،– همست في نفسها.– لن أشعر بدوار.»
– لا بأس، – ابتلعت ريقها ثانية وهي تُرصّ صدرها.
– كم ستغادرون؟ – لم تكف أُمَيّ عن الأسئلة. – لماذا ترحلون؟
– نحن سنرحل؟ – جاء صوت إيفرين، وهو غير متيقظ بعد.
لفتت باهار نظرها إليه، تراقب ملامحه. دوائر السواد تحت عينيه، خديّه غارزان، لكنه على الأقل استراح قليلًا، وكان هذا يُسعدها.
– نعم، أنا آخذك، – قالت بحزم، – والأفضل أن تتولّي القيادة لأنني لا أعرف ماذا أفعل بعد ذلك.
– ماذا؟ – تساءل وهو لا يزال نصف نائم.
– نحن في البحر الآن، إيفرين.. استيقظ، – اليخت التمايل، فخطت نحوه وتمسكت بكتفيه. – إيفرين، تولّ القيادة، حبيبي.
اشتعلت عيناه، ونزلت يده على خصرها، احتضنها بقوّة ثابتة، دون أن يرفع نظره.
– هل يزالون ينظرون إلينا؟ – سأل بهمس.
– نعم، إن لم تفعل شيئًا، حبيبي، – هزّت رأسها نحو الدفّة. – الطعام هنا، سأأخذك أنت، أو.. – أشار بيدها، ثم أمسك بقميصه: – فضّل أن تفعل شيئًا، إيفرين، أناشدك.
– أستطيع، – نزل نظره إلى شفتيها، – أريد.
– حبيبي.. – لامست خده بجفنها، – إن لم تَمسك الدفّة الآن، فلن نذهب، وسيستمر هذا إلى ما لا نهاية — سيكون دائمًا واحدٌ ما..
همس صوته مرتعشًا: – باهار..
– لقد وعدتَ أن تُروضني على البحر، – ذكّرتها.
– الآن؟ – مدّت أصابعه إلى ذقنها.
– هل لديك مانع؟ – لَم تُبعد نظرتها عنه، ولا زالت تعلق به، رغم أن أُمَيّ وجم ينظران إليهما.
– سأقبّلك الآن أمامهم، – قالها بهدوء، وهو يُرخي عنقه كأنه يُجهّز نفسه.
اتسعت عينَيها، ولم تبرح شفتاه نظراتها. أومأت بهدوء:
– الدفّة، حبيبي، – زفرت بصوتٍ يكاد لا يُسمع، – لو استطعت.
– سأعلّمك، – قال، وتحركت يده باتجاه الأسفل، وتشبّك أصابعه بأصابعها.
– خُذني بعيدًا، – همست، – سَأستعيد نفسي و.. – ابتلعت ريقها فجأة.
– أنظري إلى الأفق، – تنفّس.
– خط الأفق، – أومأت، دون أن تُبعد عينيها عن شفتيه.
– إذًا فقط أنا وأنتِ؟ – تمعّن كأنه بدأ يفهم ما تُخطّط له.
– جم ساعد، كل شيء جاهز، يمكننا الإبحار، – أغلقت عينيها وأومأت.
– لا، – أيقظها إيفرين، – أنظري…
لمس جبينه جبينها للحظة، ثم التف، حمل الحقائب من السطح وجذبها.
جلسها بجانبه، وضع يده على كتفها، تصرّف بثقة وهو يقود اليخت، كان يراقبها، وكانت تلتزم فقط بنظرة تؤكد أنّها لا تزال تحدق في خط الأفق.
– لا أريد أن أفقدك، – همس. – سيكون ذلك قاسياً للغاية من جانبك.
أومأت وأغمضت عينيها. لم تكن ترغب بالجلوس طوال الرحلة— التي سامانها تخطّيطها خلال ساعات قليلة فقط. وضعت يدها على ركبته.
– حبيبتي؟ – التف إليها.
– كل شيء بخير، – ابتسمت.
– لا تتوقفي عن مفاجأتي، – اعترف.
رفعت حاجبها قليلاً، ومرّ الغثيان فجأة كما اعتلى بعيدًا. نظرت إليه، وافترست فيه بغير إرادة، تمنّت هي الأخرى أن تشعر بتلك الحرية.
– سأتحرّك الآن، – حاولت النهوض، مستندة على ركبه.
– إلى أين؟ – عبس وهو يراقب وجهها، يحاول أن يقرأ ما في عقلها.
– لا يمكنك، – ابتسمت. – لا تقلق، – لمست خده بشفتيها، ثم نهضت.
– باهار، – اتخذ نظره مسار ما بين الدفّة وملامحها.
– حبيبي، – مررت يدها في شعره، – الآن سأرتّب نفسي، لا تقلق.
– أنت تخيفينني، – اعترف.
– ثق بي، – ضحكت، ونزلت.
نزلت إلى الأسفل، فتحت الأبواب لتجد نفسها في غرفة النوم. تلك “ملاذه”. ترتيب مثالي، لا أثر لبعض الأشياء. والغريب أنّها لم تشعر بأنها دخيلة، بل شعرت أنّ بإمكانها أن تفعل كما تشاء— وفعلت. فتحت الخزانة.
قمصان، سراويل، شورتات، كلها مشدودة بعناية. مررت بحذر على المشابك المثنيّة بكل قطعة، عضّت شفتيها، ولم تتردد. اختارت قميصه الأسود، وعلّق بلوزتها الخاصة مكانه، ثم وضعتها داخل الخزانة. كانت تعلم أنّ قميصه سيمتلئ عطرها، ولكنها ارتدته فورًا، وانغمست في رائحته. خلعت بنطاله، وأخيرًا — ووسط ثيابه الداخليّة — شعرت بالحرية التي تصبو إليها.
كانت تمشي حافية على السطح، يلعب النسيم بخصل شعرها، وأغمضت عينَيها لتستسلم لأشعة الشمس. كانت تعلم أنه يقود، وكانت تعرف أنه يراقبها، فنشرت يدَيها كما الطير، واقفة على مؤخرة اليخت. شعرها يُلامس الرياح، وكانت تطير بينما قدماه تحافظان على توازنها.
– أحبك، – همس على أذنها، ثمّ عانقها بقوّة.
– هل أخذتنا بعيداً كفاية؟ – خرج السؤال من شفتيها أخيرًا.
– بالتأكيد لا أحد سيتدخل، لا أحد يعرضنا للمقاطعة، – تمسّكَ بخدّها، فانطمسا شفتيها به.
ابتسمت باهار، وأمسكته في حضنها.
– من الجيد أنّك تملك يختاً، – همست، كأنما تَمنحه قبلة خفيفة.
كاد أن يطبع قبلة على شفتها، لكنه توقف:
– لا أحد يدير اليخوت غيرنا؟ – تساءل.
ضحكت باهار، وضمت جسدها إليه:
– سأرمي إلى البحر من يقترب منا، – مدّت أصابعها لتفك أحد أزرار قميصه، وفي اللحظة التالية فكّته.
– سأساعد، – تنفّس إيفرين، وانطلقت شفتيه لتلتقي بها.
صارا يقبلان بعضهما على مؤخرة اليخت، تحت ضوء الغروب، غير آبهين بأنّ أحدًا قد يعتمد عليهم، أو أن أحدًا يُقاطعهما مرة أخرى.
Creator has disabled comments for this post.